ابن أبي مخرمة

315

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

يا أبت ، فلما وصل الكتاب إلى الفضل . . لم يفارق المسجد نهارا إلى أن انصرف عن عمله . وأما جوده البالغ ، وسخاؤه المفرط . . فأشهر من أن يذكر ، من ذلك : أنه قال له حاجبه : بالباب رجل يزعم أن له سببا يمت به إليك ، قال : أدخله ، فأدخله فإذا هو شاب حسن الوجه ، رث الهيئة ، فسلم ، وأومأ إليه بالجلوس فجلس ، فقال له بعد ساعة : ما حاجتك ؟ قال : أعلمتك بها رثاثة ملبسي ، قال : فما الذي تمت به ؟ قال : ولادة تقرب من ولادتك ، وجوار يدنو من جوارك ، واسم مشتق من اسمك ، فقال الفضل : أما الجوار . . فيمكن ، وقد يوافق الاسم الاسم ، ولكن ما علمك بالولادة ؟ قال : أخبرتني أمي أنها لما ولدتني . . قيل لها : ولد هذه الليلة ليحيى بن خالد ولد ، وسمي الفضل ، فسمتني أمي فضيلا ؛ إكبارا لاسمك أن تلحقني به ، وصغّرته ؛ لقصور قدري عن قدرك ، فتبسم الفضل وقال : كم أتى عليك من السنين ؟ قال : خمس وثلاثون سنة ، قال : صدقت ، هذا المقدار الذي أعد ، فما فعلت أمك ؟ قال : ماتت ، قال : فما منعك من اللحاق بنا مقدما ؟ قال : لم أرض نفسي للقائك ؛ لأنها كانت فيّ عامية معها حداثة تقعدني عن لقاء الملوك ، وعلق هذا بقلبي منذ أعوام ، فشغلت نفسي بما يصلح للقائك حتى رضيت نفسي ، قال : فما يصلح له ؟ قال : الكبير من الأمر والصغير ، قال : يا غلام ؛ أعطه لكل عام مضى من سنه ألف درهم ، وأعطه عشرة آلاف درهم يحمل بها نفسه إلى وقت استعماله ، وأعطه مركوبا سريا . ومن مستغربات تقلب الدنيا : ما حكى محمد بن يزيد الدمشقي قال : دعاني ليلة الفضل بن يحيى ، فدخلت بمكان واسع فيه جمع كثير من أهل الدولة ، وفيهم والده وأخوه جعفر ، فأخرج مولود من باب على يمين الفضل وكانت ليلة سابعه ، ولا علم لي ، فأقبلوا يقرءون ومجامر الند تختلف عليهم ، والشماع المعنبرة تضيء بأيدي الخدام ، فلما فرغوا من القراءة . . قام الشعراء كل يهنيه بطلعته ، ويبشره برؤيته ، فنثرت عليهم الدنانير مطيبة

--> - حتى إذا الليل أتى مقبلا * واستترت فيه وجوه العيوب فكابد الليل بما تشتهي * فإنما الليل نهار الأريب كم من فتى تحسبه ناسكا * يستقبل الليل بأمر عجيب غطى عليه الليل أستاره * فبات في لهو وعيش خصيب ولذة الأحمق مكشوفة * يسعى بها كل عدو رقيب